ابن عجيبة

73

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فالأولى لمقام الإسلام ، وإليه توجه الخطاب بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، والثانية لمقام الإيمان ، وإليه توجه الخطاب بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ * ، والثالثة لمقام الإحسان ، وإليه توجه الخطاب بقوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ . يقول الحق جل جلاله : ذلِكَ الْكِتابُ الذي لا يقرب ساحته شكّ ولا ارتياب ، هو عين الهداية لأهل التقى من ذوى الألباب ، فلا يزالون يترقّون به في المقامات والأحوال حتى يسمعوه من الكبير المتعال ، بلا واسطة تبليغ ولا إرسال ، قد انمحت في حقهم الرسوم والأشكال ، وهذه غاية الهداية ، وتحقيق سابق العناية . قال جعفر الصادق : ( واللّه لقد تجلى اللّه تعالى لخلقه في كلامه ولكن لا يشعرون ) وقال أيضا - وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشيا عليه ، فلما سرّى عنه ، قيل له في ذلك فقال - : ( ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته ) . فدرجات القراءة ثلاث : أدناها : أن يقرأ العبد كأنه يقرأ على اللّه تعالى واقفا بين يديه ، وهو ناظر له ومستمع منه ، فيكون حاله السؤال والتملق والتضرع والابتهال . والثانية : أن يشهد بقلبه كأن اللّه تعالى يخاطبه بألفاظه ، ويناجيه بإنعامه وإحسانه ، فمقامه الحياء والتعظيم ، والإصغاء والفهم . والثالثة : أن يرى في الكلام المتكلم ، فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ، بل يكون فانيا عن نفسه ، غائبا في شهود ربه ، لم يبق له عن نفسه إخبار ولا مع غير اللّه قرار . فالأولى لأهل الفناء في الأفعال ، والثانية لأهل الفناء في الصفات ، والثالثة لأهل الفناء في شهود الذات ، رضى اللّه عنهم ، وحشرنا على منهاجهم . . آمين . ثم وصف المتقين ، الذين خصوا بهداية كتابه المبين ، بثلاثة أوصاف ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 3 ] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) قلت : هذه الأوصاف تتضمن ثلاثة أعمال : الأول : عمل قلبي وهو الإيمان ، والثاني : عمل بدني ، وهو الصلاة ، والثالث : عمل مالي ، وهو الإنفاق في سبيل اللّه ، وهذه الأعمال هي أساس التقوى التي تدور عليها .